برج نت : موقع أخبار برج بوعريريج

الصفحة الأساسية > أخبار الولاية > إيواء مئات المتشردين•• والعشراتُ يفضلون العراء

إيواء مئات المتشردين•• والعشراتُ يفضلون العراء

الأربعاء 11 كانون الثاني (يناير) 2012

كانت الساعة تشير إلى حوالي الحادية عشر والنصف تقريبا، شوارع العاصمة، بدت هادئة، خالية، إلا من بعض الشباب العاصمي الملتف حول طاولات الدومينو، أو في حلقات سمر، رغم البرودة الشديدة هي هكذا العاصمة، تستقبل المئات والآلاف من الزوار يوميا، تفتح أبوابها لأبنائها وللغرباء، من كل مكان، تغريهم وتجذبهم إليها، تأخذهم ببياضها، وسحرها، وأسرارها، وتناقضاتها، مدينة تبذل وسعها لإبقاء ذلك البياض ينبعث مشعا من أزقتها وشوارعها وشرفات عماراتها، ولكن الليل يسقط عنها كل أقنعتها، ويجردها من أزيائها التنكرية، ويغسلها من مساحيقها التجميلية كلها، ليعري حقيقتها المؤلمة والمأساوية·

بدأت عقارب الساعة تقترب من منتصف الليل وعدة دقائق، عندما وصلت الفرقة المتنقلة للإسعاف الاجتماعي رفقة عدد هام من ممثلي وسائل الإعلام الوطنية المختلفة، وإطارات من وزارة التضامن الوطني ومؤسسة ديار الرحمة لبئر خادم، إلى القطاع (أ)، الذي يضم أحياء ديدوش مراد، أودان، خليفة بوخالفة، وغيرها، في خرجة ليلية للوقوف على الإجراءات المتخذة لصالح الأشخاص بدون مأوى وكيفية التكفل بهم، لاسيما في هذا الفصل البارد، حيث تحرص الدولة الجزائرية على ضمان كل الإمكانيات اللازمة، لأجل تكفل أحسن بهؤلاء الأشخاص، تتباين الأرقام والإحصائيات المسجلة حولهم، يوما بعد يوم، ومن قطاع إلى آخر، حسب القطاعات المحددة لنشاط الفرقة المتنقلة للإسعاف الاجتماعي على مستوى العاصمة، ضمت الفرقة المتخصصة مجموعة من الأخصائيين النفسانيين، وأعوان الأمن والمربين، الذين يتابعون نشاطهم بصفة يومية على مدار السنة، وبشكل مكثف أكثر، خلال فصل الشتاء·

بطانيات·· مشروبات ساخنة وحفاظات

أول ما يقوم به أعوان الفرقة المتنقلة للإسعاف الاجتماعي عند الاقتراب من أحد هؤلاء الأشخاص بدون مأوى، هو تقديم بطانيات ومشروبات ساخنة، تتمثل في القهوة والشاي والتيزانة، خاصة للأشخاص الذين يرفضون الذهاب معهم، كما أنهم يوفرون الحفاضات للكبار والصغار، فهم في معظم الأحيان يلتقون بأشخاص بدون مأوى هم وأطفالهم، وأكثر ما يكونون بحاجة إليه هي الحفاضات وعليه تكون هذه الأخيرة من أحد الأشياء التي توفرها مصالح الفرقة المتنقلة للإسعاف الاجتماعي لهؤلاء الأشخاص·

بحي ديدوش مراد، واحد من أرقى أحياء العاصمة، كان أسفل إحدى العمارات، رجل في حوالي العقد الرابع من العمر، كان ينام جالسا، عندما اقترب منه أحد الأخصائيين من الفرقة المتنقلة للإسعاف الاجتماعي، رفض كل ما اقترحوه عليه من مشروبات ساخنة، مكتفيا بالغطاء، رافضا فكرة التوجه معهم إلى مركز ديار الرحمة، قائلا إنه سيغادر العاصمة في الصباح، وإنه جاء لأجل قضاء مصلحة وسيعود إلى ولايته الداخلية، وقد تركه الأخصائيون بعدما تأكدوا من أنه لا يحتاج إلى شيء، إضافة إلى رفضه التام التنقل معهم، وهو قرار يعود إلى الشخص المعني في الأول والأخير حسب الأخصائي النفساني في الفرقةّ (عبد الرزاق) الذي قال إنهم لا يجبرون أي شخص من الأشخاص بدون مأوى ثابت على مرافقتهم دون رغبته·

ولم تكد الفرقة تغادر، حتى اقترب منها مجموعة من شبان الحي، الذين التفوا حول أعوان الفرقة المتنقلة والصحفيين، وهمهم الوحيد كان من أجل لفت انتباهنا لإحدى السيدات المتواجدات بالحي منذ أزيد من أربع سنوات، اسمها سليمة من مواليد 1966 كانت متزوجة من سوري وتقطن في سوريا رفقة ابنيها، كما قال لنا أحد الشبان، قبل أن يطلقها زوجها ويحرمها من كامل حقوقها، ومن ابنيها أيضا، لتجد نفسها بين أحضان الشارع في بلدها الجزائر، نتيجة لخسارتها عملها كمنظفة بأحد البيوت بعدما اتهمت بالسرقة، لتضطر إلى افتراش الأرض، كما أنها رفضت الذهاب مع أعوان الفرقة المتنقلة بسبب خوفها، حيث أنها تعتقد أن هناك من تحاول قتلها، كما أنها تتعرض لكل أنواع المضايقات لأنها تظل طيلة اليوم بنفس المكان، وهو الأمر الذي جعلها متخوفة من الذهاب معهم·

رضع يفترشون الكرتون

كن ثلاث سيدات، مع إحداهن طفل رضيع لا يتجاوز العامين من العمر، بالقرب من مسجد (ساكري كور) اتخذن من ركن أسفل إحدى العمارات المقابلة للكنيسة المشهورة جدا بالعاصمة، مرقدا لهن، افترشن الكرتون، وصنعن شبه خيمة من البلاستيك، واستسلمن للنوم بداخلها، أحدثهن تتجاوز مدة وجودها في الشارع، السنتين، اقتربت منهن إحدى الأخصائيات النفسانيات من الفرقة، عارضة عليهن المساعدة، مستفسرة إن كن يحتجن إلى أي شي، أو إن كان هنالك أطفال معهن بحاجة إلى حفاظات أو حليب ساخن، وأجابتها إحداهن (ح) قائلة أثناء دردشتها مع الأخصائية النفسانية، أنها تنحدر من منطقة الحراش، وأنها قد طردت من المنزل الذي كانت تستأجره، تبين من كلامها أنها أم عازبة لطفل في العامين من العمر، وقد فرت من أهلها، من ولاية باتنة، وهي تشتغل كمنظفة في الصباح، وتترك رضيعها عند إحدى السيدات، وتسترجعه في المساء، حيث تقضي لياليها في ذلك المكان، عرضت عليها الأخصائية النفسانية التوجه مع الفرقة إلى مركز ديار الرحمة ببئر خادم، ولكنها رفضت، لأنها قالت إنها تخشى فقد منصب عملها مؤكدة أنها لن تبقى طويلا في الشارع، لأنها تقوم بجمع المال لتتمكن من كراء منزل تعيش فيه رفقة ابنها، لتعيد بناء حياتها من جديد·
وغير بعيد عنها كانت هناك سيدة أخرى، رفقة طفلين، رفضت التحدث، عندما لاحظت الوجود المكثف لممثلي وسائل الإعلام الوطنية، واكتفت بأخذ بطانية فقط·

حضار·· بدير وآخرون

جمعتهم الخبزة، البحث عن مصدر رزق، عن منصب عمل، ولكن تقطعت بهم السبل و الأسباب ووجدوا أنفسهم في الشارع، يقول حضار 28 سنة، من ولاية باتنة، يتواجد في الشارع منذ 10 سنوات، بدا من كلامه أنه يعاني بعض المشاكل، كان يروي معاناته، ويتحدث بلا انقطاع، شاكيا ظروف العمل المزرية، وصعوبة إيجاد منصب عمل قار، لكنه مع كل ذلك رفض التوجه إلى المركز مفضلا البقاء في الشارع، على عكسه كان بدير وزميلان له، بالقرب من حضار، عندما لمحوا أعوان الفرقة المتنقلة للإسعاف الاجتماعي، بدا وكأن ليلة القدر قد فتحت لهم، وبلا أي نقاش وافقوا على مرافقة الفرقة، إذ بمجرد اقتراب الأخصائيين منهم وسؤالهم إذا كانوا يريدون الذهاب معهم أم لا، حتى رافقوهم إلى الحافلة·

غير بعيد عنهم، وبساحة البريد المركزي لمحنا أكثر من سبعة أشخاص يفترشون الأرض من بينهم العم بوجمبر محمد الصغير في العقد الخامس من عمره وأب لأربع بنات، ينحدر من ولاية وهران، قال لنا إن الظروف المعيشية الصعبة هي التي دفعته إلى القدوم للعاصمة بحثا عن عمل يوفر به لقمة عيش بناته، هو نفس الأمر الذي دفع بالشابين بشير ومحمد من حمام ريغة ولاية عين الدفلى، في الثامنة والعشرين من العمر، يشتغلان في ورشات البناء وكحمالين، ويتخذون من الشوارع مأوى لهم، فلما سألناهم عن سبب رفضهم الذهاب مع أعوان الفرقة المتنقلة قال أحدهم، إنهم لا يستطيعون الذهاب إلى أي مكان، أو العودة إلى بيوتهم إذا لم يحققوا ما أتوا من أجله، شاب آخر من ولاية تيسمسيلت قبل التوجه بسهولة إلى المركز، يقول بأنه قدم إلى العاصمة بحثا عن عمل، وهو يتنقل بين شوارعها منذ ثلاث سنوات·

بمحاذاة محكمة عبان رمضان توجه أعوان الفرقة المتنقلة إلى إحدى السيدات التي كانت رفقة أبنائها، ليقوم أحد أبنائها الكبار بمحاولة للاعتداء على طاقم الفرقة المتنقلة وبعض الصحفيين، ليبدأ بالصراخ آمرا والدته بعدم التحدث معهم، وهو ما لم ترضخ له الوالدة، وتقدمت نحو إحدى الأخصائيات للحديث معها، حيث تم تقديم لها حفاضات لابنها وبعض البطانيات التي تقيها من البرد، لأنها رفضت الذهاب معهم إلى المركز· في ذلك الوقت تقدم الشاب من أعوان الفرقة المتنقلة، الذين سارعوا للعودة إلى حافلاتهم خوفا من اعتداء الشاب عليهم لأنه كان يحمل في يده موس حلاقة، وبدأ بتقطيع جسده لأنه كان في غير وعيه نتيجة لما كان يتعاطاه·

غير بعيد عن هذه السيدة، التقينا بإحدى السيدات التي كانت وحدها، ولما اقتربت منها إحدى الأخصائيات للطلب منها التوجه معهم رفضت لأنها لا تظن بأنه سيتغير شيء في حالتها، فهي تنحدر من ولاية برج بوعريريج تبلغ من العمر 53سنة متزوجة وأم لولدين، وجدت نفسها في الشارع بعدما طردها زوجها من البيت، لتضع ولديها بقرية الأطفال بدرارية، وتفترش هي الأرض لوحدها·

أسباب متعددة والنتيجة واحدة

قد يتساءل سائل عن الأسباب التي دفعت هؤلاء الأشخاص إلى اتخاذ الشارع مأوى لهم، هم عزاب ومتزوجون وأرباب عائلات، يقصدون العاصمة بحثا عن العمل ليتمكنوا من توفير المال والمسكن لأولادهم، أو هم أشخاص تفرض عليهم ظروف العمل والأشغال إلى المبيت في الشارع، بعد توقف وسائل النقل، كما أن أغلب الأشخاص بدون مأوى ينحدرون من الولايات الداخلية للوطن، ويفرون من مناطقهم الأصلية نحو العاصمة، نتيجة لمشاكل وصراعات عائلية تدفعهم إلى الهروب من بيوتهم كالأمهات العازبات اللواتي يهربن خوفا على حياتهن·
لعل من الملاحظات المهمة التي تخص الأشخاص بدون مأوى، هو وجود أطفال ورضع في ظروف صعبة جدا، رفقة أمهاتهم ورغم الحالة المزرية التي يكونون عليها، إلا أن أعوان الفرق المتنقلة للإسعاف الاجتماعي، أو مختلف المصالح التابعة لوزارة التضامن، لا يتمكنون من انتشالهم وإنقاذهم من حياة الشارع، لا لسبب سوى عدم وجود أداة قانونية تخول لهم ذلك، وهو ما أكده السيد نوري الذي قال إنه فعلا لا توجد أداة قانونية، تسمح لمصالح وزارة التضامن بانتزاع الأطفال من أمهاتهم، ولذلك فالقطاع رغم وجوده للدفاع عن فئة الأطفال أيضا، إلا أن عليه أن ينشط في إطار قانوني، ليضيف أن الوزير نصب لجنة لإعداد قانون أو نص مرسوم يسمح لمصالحنا بانتزاع الأطفال من الأشخاص بدون مأوى أو الذين يتخذونهم كوسيلة للتسول، حيث يتم عرضه على الحكومة ليصبح ساري المفعول ويبلغ للجهات المعنية ووزارة العدل، لكي يتمكن الأعوان من التصرف في إطار القانون، وبالتالي يتمكنون من حماية الأطفال، خاصة الرضع من التشرد ومن الظروف الطبيعية القاسية كالبرد القارس في أيام الشتاء·

كاميليا قرقاش

جريدة أخبار اليوم الجزائرية

الرد على هذا المقال

SPIP | دخول | خريطة الموقع | متابعة نشاط الموقع RSS 2.0
Habillage visuel © Andreas Viklund sous Licence free for any purpose